
***
***
كنا تكلمنا على حسن الظن بالله ومتى يكون، وأنه إذا كان على غير أساس فهو أمانٍ وليس حقيقة، والتمني كما يقول العوام: (رأس مال المفاليس)، اللي بيتمنى على الله الأماني ما ينتفع، كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ الْأَمَانِي» .قوله: يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ [آل عمران: ١٥٤] الضمير في يَقُولُونَيعود على المنافقين، ومرادهم بقولِهم: هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍمرادهم أمران؛ أولًا: دفعُ اللَّوم عن أنفسهم، والثاني: الاعتراض على القدر؛ لأنهم يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا [آل عمران: ١٥٤]، فهم يريدون بذلك أن يدفعوا اللَّوم عن أنفسهم، وأن يحتجوا على قضاء الله وقدره.وقوله: هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ، هذه الجملة مبتدأ وخبر، فالخبر جار ومجرور مقدم لَنَا، والمبتدأ مِنْ شَيْءٍ؛ لأنَّ مِنْحرف جَرٍّ زائد في الإعراب، وشَيْءٍمبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد.قال الله تعالى: قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ [آل عمران: ١٥٤]، فإذا كان الأمر كله لله فلا وجهَ لاحتجاجكم على قضاء الله وقدَرِه، وأن تقولوا: هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ، فإذا كان الأمر كله لله فالله عز وجل يفعل ما يشاء من النصر والخذلان.وقوله: قُلْ إِنَّ الْأَمْرَالمراد بالأمر هنا واحد الأمور لا واحد الأوامر، يعني الشأن كل الشأن، الشأن الذي يتعلَّق بأفعال الله عز وجل والذي يتعلَّق بأفعال المخلوقين، كله لمن؟ لله سبحانه وتعالى، فهو الذي يقدِّر العز والخذلان، بل يقدِّر العز والذل، ويقدِّر النصر والخذلان، ويقدر الخير والشر، لكن الشر كما مر علينا كثيرًا ليس إلى الله سبحانه وتعالى، وإنما الشر في المفعولات لا في الفعل الذي هو فعل الله.قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَهؤلاء المنافقون من شأنهم عدم الصراحة وعدم الصدق، يخفي في نفسه ما لا يبديه لغيره؛ لأنه يرى من جبنه وخوفه أنه لو أخبر بالحق لكان في ذلك هلاكه، فهو يُخفي في نفسه ما لا يبدي للرسول عليه الصلاة والسلام. وهكذا شأن المنافقين في كل زمان وفي كل مكان؛ يُخفي في نفسه ما لا يُبدي لغيره؛ لأنه لو تمكن من إبداء ما في نفسه لوجدت عنده أمرًا عظيمًا من الكفر والفسوق والعصيان.يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا، والمراد بقوله: مَا قُتِلْنَايعني الذين قُتِلوا في أُحُد، لكن كما زعموا: محمد صلى الله عليه وسلم خالف رأينا ومشورتنا فلم يكن الأمر بأيدينا؛ لأنَّه من المعروف أن عبد الله بن أبي المنافق، بل رأس المنافقين، لما خرج النبي عليه الصلاة والسلام إلى أُحُد رجع بنحو ثلث الجيش رَجَع بهم، ثم قال: إن محمدًا يعصيني ويطيع أيش؟ الصغار والشبان.يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ، يعني هذا الاحتجاج اللي تقولون: لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَاهذا احتجاج لا حقيقة له، لماذا؟ لأنه إذا كُتِب القتال أو القتل على أحد ما نفعَه تحصنُّه حتى لو كان في قَعرِ بيته؛ ولهذا قال: لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ.وقوله: كُتِبَالمراد بالكتابة هنا الكتابة الكونية؛ لأن الكتابة قسمان: كتابة شرعية وكتابة كونية، فالكتابة الشرعية لا يلزم منها الوقوع، والكتابة القدرية يلزم منها الوقوع؛ مثال الكتابة الشرعية قوله تعالى: إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا [النساء: ١٠٣]، وقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة: ١٨٣]، كُتِبَهنا كتابة شرعية؛ ولهذا يتخلَّف عن الصيام من يتخلف.وأما الكتابة الكونية فمثل قوله تعالى: كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ [المجادلة: ٢١]، ومثل قوله تعالى: وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ [الأنبياء: ١٠٥].ومنها هذه الآية: قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ، ما تحصنهم بيوتهم.ويش بعدها؟لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ. وَلِيَبْتَلِيَبمعنى: ليختبر، يختبر ما في صدوركم من الإيمان بقضاء الله وقدره والإيمان بحكمته، وأنه بتقدير هذا الأمر الفاجع المؤلم إنما كان لحكمة أرادها الله عز وجل، فيختبر الله تعالى ما في قلب العبد بما يُقدِّره عليه من الأمور المكروهة حتى يتبين من استسلم لقضاء الله وقدره ولحكمته سبحانه وتعالى ممن لم يكن كذلك.وقوله: وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ، هذا يكون بعد الابتلاء، إذا حصل الابتلاء فقُوبِل هذا الابتلاء بالصبر صار في ذلك تمحيص لما في القلب، أي: تطهير له وإزالة لما يكون قد عَلَق به من بعض الأمور التي لا تنبغي. ولقد حصل الابتلاء والتمحيص في قصة أُحُد، ويدلُّك لهذا أن الصحابة رضي الله عنهم لما نَدَبهم الرسول عليه الصلاة والسلام حين قيل له: إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [آل عمران: ١٧٣]، خرجوا إلى حمراء الأسد، لكنهم لم يجدوا غزوًا فرجعوا، فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ [آل عمران: ١٧٤].وقوله: وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِهذه الجملة الخبرية فيها إثبات أن الله عز وجل عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِأي: بصاحبة الصدور، وما المراد بها؟طالب: السرائر.الشيخ: ذات الصدور القلوب، كما قال الله تعالى: فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج: ٤٦]، فهو سبحانه وتعالى عليم بما في قلب العبد، لا يخفى عليه شيء من حاله، بل إنَّه جلَّ وعلا يعلم حتى ما لا يكون في قلب الإنسان، يعلم متى يكون وكيف يكون؛ ولهذا قال: وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [آل عمران: ١٥٤]، انتهت الآية.(وقوله: الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) [الفتح: ٦].الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِالمراد بهم المنافقون والمشركون، قال الله تعالى: وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ.ظَنَّ السَّوْءِيعني ظن العيب، وهو كقوله فيما سبق: ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ [آل عمران: ١٥٤]، فهؤلاء المنافقون يظنون بالله ظن السوء وكذلك المشركون، ومنه ما سيذكره ابن القيم رحمه الله أنهم يظنون أن أمر الرسول عليه الصلاة والسلام سيضمحل، وأن دينه سيُقضى عليه، وأنه لا يمكن أن يعود وما أشبه ذلك.قال الله تعالى: عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ [الفتح: ٦]، هل المراد بالدائرة ما يدور ويرجع، أو المراد بالدائرة الخط أو السور المحيط بالشيء، أو الأمران جميعًا؟طالب: الأمران.الشيخ: الأمران جميعًا في الواقع؛ يعني أن السوء محيط بهم من كل جانب، كما تحيط الدائرة بما في جوفها. وكذلك أيضًا عليهم تدورُ الدوائر، عليهم تدور دوائر السوء، فهم -وإن ظنوا أن الله تعالى تخلى عن رسوله وأن أمر رسوله سيضمحل- فإن الواقع أن الدائرة هي راجعة إليهم.قال: عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْوَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْالغضب صفة من صفات الله عز وجل، صفة فعلية ولَّا ذاتية؟طالب: فعلية.الشيخ: فعلية؛ لأنها تتعلَّق بمشيئته، وكل صفة تتعلق بمشيئة الله فإنها تُسمَّى عند أهل العلم الصفات الفعلية.والغضب قيل: هو الانتقام، وقيل: إرادة الانتقام، وقيل: صفة ليست للانتقام ولا إرادة الانتقام، بل هي صفة يترتب عليها الانتقام. أي هذه الأقوال أصحُّ؟ الصفة الأخيرة، أن الغضب صفة يترتب عليها الانتقام، والذين أنكروا ذلك وقالوا: إن الله لا يغضب، قالوا: لأن الغضب غليان القلب لطلب الانتقام؛ ولذلك يفور دمه وتنتفخ أوداجه ويحمرَّ وجهه وعينه، وينتفش شعره من قوة الغضب، وكما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِنَّهُ جَمْرَةٌ يُلْقِيهَا الشَّيْطَانُ فِي قَلْبِ ابْنِ آدَمَ» .قالوا: إن الغضب الحقيقي غليان دم القلب، والرب عز وجل هل إذا غضب معناه غلا دم قلبه؟ لا، فنقول لهم: إن هذا التفسير الذي فسَّرتموه في الغضب، إنما هو حقيقة غضب الإنسان، أما الله عز وجل فإن غضبَه يليق به، ولا يلزم إذا كان يوافق غضب الإنسان في المعنى أن يوافقه في الكيفية والمثلية؛ لأن الله لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: ١١].ويدلُّ على أن الغضبَ ليس هو الانتقام قوله تعالى: فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ [الزخرف: ٥٥]، آسَفُونَايعني: أغضبونا، انْتَقَمْنَا مِنْهُمْفجعل الانتقام مُرَتَّبًا على الغضب، فدلَّ ذلك على أنه غيره.وقوله: وَلَعَنَهُمْ، ما هو اللعن؟ هو الطرد والإبعاد عن رحمة الله.وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ، يعني هيَّأها لهم وجعلها سكنًا لهم -والعياذ بالله- وَسَاءَتْ مَصِيرًامَصِيرًاإعرابها تمييز، وَسَاءَتْ مَصِيرًاتمييز، والفاعل مستتر، يعني: ساءت النار مصيرًا يصيرنا إليه، وهذا ذم من الله عز وجل لهذه النار التي هي مصير هؤلاء الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ [الفتح: ٦].وعلى هذا فكلُّ من ظنَّ بالله ما لا يليق به فإنه مشبه للمشركين والمنافقين.طالب: مناسبة الباب (...) كتاب التوحيد.الشيخ: لأنه ينافي كمال التوحيد بإثبات الصفات الكاملة العليا؛ فإن هذا يقتضي إثبات الصفات الناقصة.الطالب: حسن الظن بالله ما يعتبر من كمال التوحيد؟الشيخ: نعم، يعتبر من كمال التوحيد.الطالب: لم يذكر المؤلف (...).الشيخ: لأنه بضدِّها تتبين الأشياء، فإذا كان ظنَّ السوء محرمًا فحسن الظن يكون واجبًا.طالب: (...) يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّهذا، هؤلاء المنافقون، وقوله: (...).الشيخ: هذا من باب الالتفات.الطالب: إذن المعنى (...)؟الشيخ: أقول: من باب الالتفات. والكلام كما عرفت يكون فيه التفات من قوم إلى قوم، من خطاب إلى خطاب.طالب: فَلَمَّا آسَفُونَا، لماذا أولوها إلى أغضبونا؟الشيخ: لأنَّ الأسف الذي هو الحزن ما يليق بالله عز وجل؛ ولهذا ممنوع عنه أن يوصف الله بالحزن أو بالأسف الذي هو التأسف والتحزن.طالب: قوله: مَا قُتِلْنَا هَاهُنَالمن الكلام؟الشيخ: المراد: ما قتل إخواننا؛ لأن الإنسان قد يضيف الشيء إلى نفسه ويعني به قبيلته أو عشيرته أو ما أشبه ذلك.***
(قال ابن القيم في الآية الأولى: فسر هذا الظن بأنَّ الله سبحانه وتعالى لا ينصر رسوله) وين الآية الأولى؟ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ، (فسر بأن الله لا ينصر رسوله، وأن أمره سيضمحل) يعني يزول (وفسر بأن ما أصابهم لم يكن بقدر الله وحكمته)، منين نأخذه؟ هذا التفسير من قولهم: لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا.(ففُسِّر بإنكار الحكمة، وإنكار القدر، وإنكار أن يُتم أمر رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن يظهره على الدين كله).ففسر بما يكون طعنًا في الربوبية وطعنًا في الأسماء والصفات، فالطَّعن في القدر طعن بربوبية الله عز وجل؛ لأن من تمام ربوبيته سبحانه وتعالى أن تؤمن بأن كل ما جرى في الكون فإنه بقضاء الله وقدره، طعن في أفعاله وحكمته حيث يظن أن الله تعالى سوف لا ينصُر رسوله وسوف يضمحل أمرُه؛ لأنه إذا ظن الإنسان هذا الظن بالله فمعنى ذلك أن إرسال الرسول عليه الصلاة والسلام، أيش؟ عبث وسفه، ويش الفائدة مِن أن يُرْسِل رسولًا ويؤمر بالقتال، وإتلاف الأموال، وإتلاف الأنفس، ثم تكون النتيجة أن يضمحلَّ أمرُه ويُهزَم! هذا بعيد، ولا سيما رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي هو خاتم النبيين، فإن الله تعالى قد أذن بأن شريعته ستبقى إلى يوم القيامة.قال رحمه الله تعالى ابن القيم: (وهذا هو ظن السوء الذي ظنه المنافقون والمشركون في سورة الفتح)، ويش هو الظن؟ أن الله لن ينصر رسوله، وأن أمره سيضمحل، وأن ما أصابه لم يكن بقضاء الله وقدره ولا بحكمة من الله عز وجل.طالب: هل يجوز أن (...) الإنسان عن ظن السوء في شيء مما يسوء الإنسان في الدنيا قبل أن (...)؟ يعني: أنا سمعت مرة اثنين يتكلمان، وكل واحد مثلًا ممكن يستقبل الرواتب (...) تنزل، قال الآخر: ما أظن بالله ظن السوء، يعني أنا استغربت.الشيخ: ما يتعلق بهذا؛ لأن هذا قد يكون من الحكمة أن الرواتب تنزل، قد يكون من الحكمة أن هذا الطيش اللي حصل للناس حتى تعدوا الحدود أنه يزول. لا شك أن الرسول صلى الله عليه وسلم حينما قال: «مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَإِنَّمَا أَخْشَى أَنْ تُفْتَحَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا فَتَنَافَسُوهَا» ، فإذا حصلت هذه المنافسة ماذا يكون الخير؟ في فتح الدنيا ولّا في إغلاقها؟طالب: في إغلاقها.الشيخ: إي، في إغلاقها. المهم أن هذا الرجل أخطأ؛ لأن نقص الرواتب أو نقص الترف..الشيخ: «وَلَا
تَعْجِزَنَّ»، عندكم كذا أنتم؟
طالب:
نعم.
الشيخ: «وَلَا
تَعْجِزَنَّ».
طالب: ما يجوز هذا.
الشيخ: «لَا» ناهية، و«تَعْجِزَنَّ» فعل مضارع مبني على الفتح في محل جزم لاتصاله
بنون التوكيد.
ومعنى قوله: «وَلَا تَعْجِزَنَّ» أي:
لا تتعاجز، أي: لا تكسل، وليس نهيًا عن العجز الذي بغير اختيار الإنسان؛ لأن ذلك لا
طاقة له به فلا يتوجه عليه نهي؛ يعني: لا يُقال المعنى (لا تعجز) لا يصبْك عجز؛ لأن
العجز عن الشيء غير التعاجز عنه، فالعجز عن الشيء أمر لا يمكن للإنسان أن يطيقَه،
يصاب بمرض فيعجز؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «صَلِّ
قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى
جَنْبٍ» .
فقوله: «لَا تَعْجِزَنَّ» أي: لا تفعل فعل العاجز من التكاسل وعدم
الحزم والعزيمة؛ ولهذا لو قال: (تعجز) بمعنى تتعاجز لكان له وجه.
وقوله: «وَلَا تَعْجِزَنَّ»، إذا اجتمع الحرص وعدم التكاسل اجتمع في
هذا صدق النية بالحرص، وكذلك العزيمة بعدم التكاسل؛ لأن من الناس مَن يحرص على ما
ينفعه، ثم يشرع فيه ثم يتعاجز ويتكاسل ويدعه، وهذا خلاف ما أمر به النبي عليه
الصلاة والسلام، ما دمت عرفت أنه نافع وشرعت فيه فلا تدعه؛ لأنك إذا ودعته خسرت
العمل الذي عملت فيه، ثم عودت نفسك التكاسل والتَّدني من حالة النشاط والقوة إلى
حالة العجز والكسل، وكم من إنسان بدأ العمل - ولا سيما العمل النافع، ونحن نتكلم
بالعمل النافع - ثم يدخل عليه الشيطان فيثبطه بعض الشيء، إن تعاجز خسر، وإن صمم
وعزم ولم يتعاجز كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا
تَعْجِزْ» فإنَّه يغنم.
لكن لو بدا له في أثناء الوقت أنه ضار؛ لأن
الإنسان ما يعلم الغيب، قد يظن في هذا الشيء أنه نافع، ثم يشرع فيه ويتبين له في
أثناء الوقت أنه ضار، فهنا ماذا يصنع؟ يجب عليه الرجوع، الرجوع إلى الحق خير من
التمادي في الباطل. لكن ما دام لم يتبين له الأمر، وقد دخل على أنه نافع له
فليستمر؛ لأنه من أضر ما يكون على الإنسان أن يبدأ الأفعال ثم يدعها، يعود نفسه على
هذا الفعل، ويبدأ كلما شرع في عمل طاف فيه مدة ثم رجع، ثم تنقضي عليه الأيام ما
يحصل شيئًا.
ويذكر في ترجمة الكسائي رحمه الله إمام أهل الكوفة في النحو أنه بدأ
في طلب العلم في طلب النحو وصعب عليه، يقول: إنه وجد نملة تحمل لها طعامًا تريد أن
تصعد فيه مع الجدار، كلما صعدت قليلًا سقطت، كلما صعدت سقطت، كلما صعدت سقطت، حتى
نجحت وصعدت وبلغت مرامها. فقال: هذه نملة كابدت العمل اللي هي مصممة عليه إلى أن
نجحت فيه، لماذا لا أكابد العمل؟ فكابد فصار إمامًا في النحو. وهكذا ينبغي للإنسان
إذا كان قد شرع في شيء نافع ألا يعجز، أن يستمر.
ثم إذا قُدِّر لك خلاف المقصود
فماذا تصنع بعد أن حرصت على النافع واستعنت بالله عز وجل وصممت ومضيت، لكن جاء
الأمر على خلاف ما أردت؟
يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَذَا
لَكَانَ كَذَا وَكَذَا».
هذه المرتبة الثالثة لا قدرة لك
فيها.
المرتبة الأولى: الحرص. المرتبة الثانية: المضاء في الأمر والاستمرار فيه.
هذه تعود إليك ولّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: المرتبة الثالثة: إذا حصل خلاف المقصود، هذا ليس إليك؛
ولهذا قال: «وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ» يعني مما لا
تُحِبُّه ولا تريده، ومما يعوقك عن الوصول إلى مُرامِك بما شرعت فيه من
النافع.
«إِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي
فَعَلْتُ كَذَا لَكَانَ كَذَا وَكَذَا»، مثلًا: إنسان يريدُ أن يحفظ القرآن،
فبدأ من أوله، ثم حصل له مانع يمنعه من إتمامه، فقال: لو أني بدأت من آخر القرآن
لكان أولى ولاستمررت فيه؟ نقول: هذا غير صحيح.
وكذلك يشرع الإنسان في شيء، أو
يشتري شيئًا أو ما أشبه ذلك، ثم يُصاب بخلافِ قصدِه فيقول: لو أني لم أفعل كذا لكان
كذا. والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ
كَذَا لَكَانَ كَذَا»؛ لأن ضد ذلك، ضد الفعل الذي شرع فيه أن يتخيَّل أن
فعلًا آخر خير منه.
الثاني: أن يتخيَّل أنه لو لم يفعل لكان خيرًا له.
فعندنا
مسألتان:
الأولى: أن يتخيل أنه لو فعل كذا لكان أنجح وأنفع.
الثانية: أن
يقول: لو لم أفعل كذا لكان كذا. ويمكن أن يكون هذا الأخير أكثر، لكن الرسول عليه
الصلاة والسلام ذكر الأول: «لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ»؛ لأن
هذا الرجل مصمم وفاعل وعامل، ليس من الناس الكسالى الذين يدعون الأعمال، بل هو من
أهل العمل، إلا أنه عَمِل ولم يحسُن مقصودُه.
فالحاصل: أن من خالفه القدر ولم
يحصل على مطلوبه، فإما أن يقول: لو لم أفعل ما حصل؛ هذا واحد.
أو يقول: لو فعلت
كذا لكان كذا. والرسول عليه الصلاة والسلام قال في الثاني دون الأول لماذا؟ لأن هذا
الإنسان عامل وفاعل، فهو يقول: لو أني فعلتُ الفعل الفلاني دون هذا الفعل لحصلت
مطلوبي، بخلاف الإنسان الذي لم يفعل وكان موقفه سلبيًّا من الأعمال، فهذا يقول: لو
لم أفعل.
يقول: «لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَذَا» «كَذَا»
يعني: يعبر الإنسان بهذا اللفظ أو هي كناية عن شيء مخصوص؟ هذه كناية؛ لأن
الذي يقول سيقول: لو أني فعلت كذا وكذا ويعيِّنه، لكن هذه كناية عن مُبهَمٍ، مثل
قولنا: قال فلان، لو قال فلان، وما أشبه ذلك، كناية عن مُبهَم.
طالب: إعراب (...)؟
الشيخ: إي، هي
كناية من حيث المعنى، أما إعرابها فإنها مفعول لـ(فعلت)، مفعول جميع تعرب،
وقوله: «لَكَانَ كَذَا وَكَذَا»، هذه فاعل «كَانَ»، وهي أيضًا كناية عن شيء يقدِّره الإنسان
ويعينه.
قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وَلَكِنْ قُلْ:
قَدَرُ اللَّهِ».
هذا من جملة الأساليب التي مرت علينا: أن الشارع إذا
نهى عن شيء فتح بابًا آخر، وهذا كثير في القرآن وفي السنة، لما قال: «لَا تَقُلْ»، إذن، ويش يقول؟ «وَلَكِنْ
قُلْ: قَدَرُ اللَّهِ، وَمَا شَاءَ فَعَلَ».
«قَدَرُ» خبر مبتدأ محذوف، أي: هذا قدر الله، يعني هذا الذي
وقع قدر الله، وليس إليَّ، أما ما إليَّ فإني قد بذلت ما أراه نافعًا كما أمرني به
رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن هذا أمر فوق طاقتي، فوق علمي
وحسباني.
وقوله: «قَدَرُ اللَّهِ» «قَدَرُ» هنا
بمعنى مقدور؛ لأن قدر الله يُطلَق على التقدير الذي هو فعل الله، ويُطلَق على
المقدور الذي هو المقدر؛ الشيء المقدر.
وهنا، الإطلاق هنا على فعل الله أو على
مفعوله؟ على مفعوله؛ لأنه يتحدَّث عن شيء أصابه ووقع عليه، فهو مفعول الله. ومن
المعلوم أن الفعل والمفعول متلازمان، كلما حدث الفعل حدث المفعول، وكلما وُجِدَ
المفعول فقد وُجِدَ الفعل.
إذن «قَدَرُ اللَّهِ» أي:
مقدوره، ولا مقدور إلا بتقدير؛ لأن المفعول نتيجة الفعل.
وقوله: «قَدَرُ اللَّهِ» هذا فيه التسليم التام لقضاء الله عز وجل،
وأن الإنسان إذا بذل المجهود وفعل ما أُمِر به على الوجه الشرعي، ولم يحصُل مقصوده،
فإنه لا يُلامُ على شيء، ويُفَوِّض الأمر إلى الله.
قال: «وَمَا شَاءَ فَعَلَ»، هذه جملة شرطية مصدرة بـ(ما) الشرطية
(ما شاء)، أين فعل الشرط؟ (شاء) و(فعل) جواب الشرط، أي: ما شاءه الله فعله؛ لأنه
سبحانه وتعالى لا رادَّ لقضائه، ولا مُعقِّب لحكمه، كما قال الله تعالى: لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [الرعد: ٤١].
إذن «مَا شَاءَ فَعَلَ»، وقد سبق لنا قاعدة في
هذا الباب: وهو أن كل فعل عُلِّق بالمشيئة فإنه مقرونٌ بالحكمةِ، فإن الله لا يفعل
شيئًا ولا يشرع شيئًا إلا لحكمة، يعني: ما هناك شيء مُعلَّق بالمشيئة المجردة
أبدًا، بل كل فعل فهو واقع بمشيئة الله، لكنها مشيئة تابعة للحكمة. الإنسان قد يفعل
الشيء بمشيئة لكن بدون حكمة، أما الله عز وجل فكلُّ أفعاله لحكمة؛ ولهذا نقول:
«مَا شَاءَ فَعَلَ»، لكن فعلًا مرتبطًا
بالحكمة.
طيب، إذن نفهم أن المشيئة يلزم منها وقوع المُشاء، أو لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم؛ ولهذا كل
المسلمين يقولون: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.
هل الإرادة يَلْزَم فيها
وقوع المراد؟ إن قلتم: لا. خطأ.
طالب: على
التفصيل.
الشيخ: إي، على التفصيل؛ الإرادة الشرعية لا
يلزم فيها وقوع المراد، والإرادة الكونية يلزم فيها وقوع المراد. الإرادة الشرعية
التي بمعنى يحب، هذه ما يلزم فيها وقوعُ المراد، فإن الله تعالى قد يريد شيئًا ولا
يقع، أو لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: ويش مثاله؟
طالب: مثل إسلام
المسلمين..
الشيخ: لا، نريد مثالًا من القرآن؛ فيه
إرادة شرعية؟
طالب: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً [المائدة: ٤٨].
الشيخ: هذه ما هي المشيئة، الإرادة.
طالب: وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا [النساء: ٢٧].
الشيخ: صح، وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا. يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْبمعنى: يُحِب، لا بمعنى
يشاء. لو كانت بمعنى يشاء لتاب الله على الناس جميعًا، لكن معناه: يحب.
وكذلك
قوله تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة: ١٨٥]، وقوله: مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ [المائدة: ٦] فهذه إرادة منفية،
والآيتان السابقتان إرادة مثبتة شرعية.
طالب: (...)
المقدر هنا؟
الشيخ: لا، «قَدَرُ»، اللي في مسلم: «قَدَرُ
اللَّهِ» والحديث في مسلم.
الطالب: ما
(...)؟
الشيخ: ما دام ما ورد إلا قدر الله، نتبع
اللفظ.
لما بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام الحكم بيَّن العلة، قال: «فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانَ».
من يعرب لي:
«لَوْ»؟
طالب: اسم «إِنَّ».
الشيخ: اسم «إِنَّ»؟
الطالب: نعم.
الشيخ: كيف؟! حرف؟! الحرف لا يقع عليه الإعراب.
طالب: اللفظ، قُصِدَ اللفظ.
الشيخ:
إي، قُصِدَ لفظها.
طيب، لكن قُصِد لفظها وإلا حُكِيت، يعني: لو قُصِدَ لفظُها
لقال: (فإن لوًّا) كما قال المؤلف: (باب ما جاء في اللَّوِّ)، لكن قُصِد
حكايتها؛ يعني: فإن هذا اللفظ تفتح عمل الشيطان، ما عمله؟ عمله ما يلقيه في قلب
الإنسان من الحسرة والندم والحزن؛ لأن الشيطان -يا إخواننا- يحب من الإنسان أن
يحزن، ويحب منه أن يندم، ويحب منه أن تضيق عليه الأمور؛ قال الله تعالى: إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [المجادلة: ١٠]،
حتى في المنام يأتي إلى الإنسان في نومه ويريه أحلامًا مفجعة مخيفة، كله من أجل أن
يُعكِّر عليه صفوه؛ لأن الإنسان إذا شوش فكره ما تفرَّغ للعبادة على ما ينبغي وعلى
ما يُطلَب منه؛ لأن الإنسان بشر، ولهذا نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن الصلاة في
حال تشوش الفكر؛ لأنه ما يمكن يؤدي الصلاة على ما ينبغي: «لَا
صَلَاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ، وَلَا وَهُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ»
.
والحاصل: أن العمل اللي
أشار إليه الرسول -صلى الله عليه وسلم- في هذا هو ما يلقيه في قلب الإنسان من
الحسرة والندم والحزن، فإذا رضي الإنسان بالله ربًّا وقال: هذا قضاء الله وقدره،
ولا يمكن أبدًا أن يقع الأمر على خلاف الواقع. يعني: مهما كان لا تفكر إلا أن الأمر
وقع على ذلك، فإذا علمت هذا اطمأننت، حتى لو فُرِض أنه ليس عندك الإيمان الكافي
بالقدر فإنك بعقلك تقول: لا يمكن أن يقع الأمر على خلاف ما جرى عليه أبدًا ولا
تفكِّر، إذا آمنت بهذا اطمأننت وانشرح صدرك، وعرفت أن المقام الآن هو مقام الصبر
والتسليم، ولا مقام سوى ذلك.
ويُستفادُ من هذا الحديث عدَّةُ فوائد
كثيرة:
منها: إثبات المحبة لله عز وجل، من قولِه:
«خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ
الضَّعِيفِ».
ومنها: اختلاف الناس في قوة
الإيمان وضعفه؛ لقوله: «الْقَوِيُّ» و«الضَّعِيفُ».
ومنها: زيادة
الإيمان ونقصانه؛ لأن (القوي) زيادة، القوة زيادة، والضعف نقص، وهذا هو القول
الصحيح الذي عليه عامة أهل السنة: أن الإيمان يزيد وينقص، وإن كان بعض أهل السنة
يقول: يزيد، ولا يقول: ينقص، لكنه قول ضعيف. يقول: يزيد؛ لأنه جاء في القرآن: وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا [المدثر: ٣١]، لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ [الفتح: ٤]، ولا
يقول: ينقص؛ لأنه ما جاء في القرآن: ينقص.
ولكننا نقول: إن الزيادة والنقصان
متقابلان، لا يمكن وجود أحدهما بدون الآخر، فإذا زاد هذا على هذا لزم أن ينقص هذا
عن هذا، ولا يمكن أن تعقل زيادة بدون نقص، هذا من الناحية العقلية.
أما من
الناحية الأثرية فقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال للنساء: «مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتٍ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ
الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ» ، فأثبت نقصان الدين،
وهذا هو القول الراجح من أقوال أهل العلم: إن الإيمان يزيد وينقص، ولكن هل يزيد
بالكمية أو يزيد بالكيفية؟
طالب: بكلاهما.
الشيخ: أو بهما؟
طالب:
بهما.
الشيخ: نعم، يزيد بهما، وهل الذي يزيد الأعمال
الظاهرة كأقوال اللسان وأعمال الجوارح، أو حتى الأعمال الباطنة كأعمال
القلوب؟
طلبة: كلاهما.
الشيخ: طيب، أعمال القلوب تختلف، تزيد وتنقص. هل أقوال القلوب
وهي إقرارات القلب كذلك؟
طالب: نعم.
الشيخ: إي نعم؟
طالب: نعم.
الشيخ: متأكدون؟
طالب:
(...).
الشيخ: إذن معناه الإيمان من كل نواحيه يزيد
وينقص، فالإيمان الذي هو التصديق تصديق القلب وإقراره لا شك أنه يزيد وينقص، أليس
كذلك؟
طالب: بلى.
الشيخ:
إيمانك بالشيء الذي تشاهده ليس كإيمانك بالشيء الذي تُخبَر عنه. أيهما أقوى؟ الذي
تشاهده؛ ولهذا قال إبراهيم عليه الصلاة والسلام: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة: ٢٦٠]، والإنسان إذا أخبره ثقة بخبر ما، ثم
أخبره آخر بنفس الخبر ازداد يقينًا، فإذا جاء الثالث؛ ازداد يقينًا؛ ولهذا قال أهل
العلم: إن الخبر المتواتر يفيد العلم اليقيني، وبعضهم قال: القطعي. فهذا دليل على
أن القلوب تتفاوت في التصديق.
أما الأعمال فأمرها ظاهر، فمن صلى أربع ركعات أزيد
ممن صلى ركعتين، ومن سبح مئة مرة أزيد ممن سبح ثمانين مرة مثلًا.
طالب: شيخ، قوله: «نَاقِصَاتٍ»
(...)؟
الشيخ: إي، لكن «نَاقِصَاتٍ» بيَّن الرسول سبب النقص: «إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ».
ومن فوائد الحديث: أن المؤمن وإن ضعف إيمانه فهو خير، أو
ففيه خير؛ لقوله: «وِفِي كُلٍّ خَيْرٌ».
ومن فوائد الحديث: أن الشريعة جاءت بتكميل المصالح وتحقيق
المصالح؛ لقوله: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ»؛ لأن
هذا شريعة، أنت إذا حرصت على ما ينفعك فإنك امتثلت أمر الرسول عليه الصلاة والسلام
فهو عبادة، إذن فالدين جاء بتكميل المصالح وتحقيق المصالح.
ومن فوائد الحديث: أنه لا ينبغي للعاقل أن يمضي جهده فيما لا
ينفعه. يؤخذ من قوله: «احْرِصْ عَلَى مَا
يَنْفَعُكَ».
ومنها؛ من فوائد الحديث: أنه
ينبغي للإنسان الصبر والمصابرة وعدم الملل؛ لقوله: «وَلَا
تَعْجِزَنَّ»، فالذي ينبغي: أن تصبر وتصابر، ما دمت على أمر ينفعك لا
تعجز.
ومن فوائد الحديث: أن ما لا قدرة للإنسان فيه
فله أن يحتجَّ عليه بالقدر.
طالب: «وَإِنْ أَصَابَكَ».
الشيخ:
لقوله: «وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي
فَعَلْتُ كَذَا لَكَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ
فَعَلَ». فالشيء الذي لا يمكنك: لك أن تحتجَّ به بالقدر، لكن الذي يمكنك لا
حجة بالقدر، لا تحتج بالقدر.
فإن قلت: ما تقولُ في احتجاج آدم وموسى؟ «تَحَاجَّ آدَمُ وَمُوسَى فَلَامَ مُوسَى آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ
وَالسَّلَامُ، وَقَالَ لَهُ: لِمَاذَا أَخْرَجْتَنَا وَنَفْسَكَ مِنَ الْجَنَّةِ؟
فَقَالَ: أَتَلُومُنِي عَلَى شَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيَّ؟» ،
فهل هذا احتجاج بالقدر أم لا؟
هذا احتجاج بالقدر، لكن ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية
أن الذين لا يحتجون بالقدر كالقدرية ينكرون هذا الحديث رأسًا، يقولون: هذا ما يصح
الحديث، وهذا مكذوب على الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأن من عادة أهل البدع أن ما
يخالف بدعهم إن كان مما يمكن تكذيبه كذبوه، ولو كان الإمكان عقليًّا، وإن كان مما
لا يمكن حرفوه. فهذا قالوا: ليس من القرآن، اتركوه، هذا حديث مكذوب. لكن الحديث
ثابت في الصحيحين وغيرهما، إلا أن شيخ الإسلام رحمه الله يقول: إن موسى ما احتج على
آدم بالمعصية التي هي سبب الخروج، احتج عليه بالخروج نفسه، يعني معناه: أن فعلك صار
سببًا لخروجنا. وإلا فإن موسى عليه الصلاة والسلام أبعد من أن يلوم والده على ذنب
تاب منه، فهو والده وتاب من الذنب واجتباه ربه وهداه بعد ذلك، كيف أنه يلومه؟ هذا
بعيد.
فإذن هو يلومه أو يعترض على هذه المصيبة التي حصلت، وآدم عليه الصلاة
والسلام قد لا يعلم أنه بمعصيته هذه يخرج من الجنة، قد يظن أن العقوبة تكون دون ذلك
فلا يكون فاعلًا سببًا يتيقن أنه يخرجه من الجنة؛ ولهذا وكل الأمر إلى القضاء
والقدر، فيقول شيخ الإسلام: إن هذا من باب الاحتجاج بالقدر على المصائب لا على
المعائب.
وعلى رأي شيخ الإسلام يكون المسألة تنطبق على هذا الحديث: «وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللَّهِ، وَمَا شَاءَ فَعَلَ»، هذه
مصيبة ما أردتها.
أما ابن القيم فذهب إلى وجه آخر في الحديث، وقال: إن آدم عليه
الصلاة والسلام احتجَّ بقدرٍ بعد أن تاب منه؛ لأنه قد فرغ، ليس كحال الذين يحتجون
بالقدر على أن يبقوا على معصية الله، فالمشركون لما قالوا: لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا [الأنعام: ١٤٨] هم ما
يحتجُّون على شيء مضى ويقولون: تبنا إلى الله، لكن يحتجون على الاستمرار والبقاء؛
فلهذا كذَّبهم الله عز وجل.
فالحاصل أن العلماء اختلفوا في تخريج هذا الحديث،
لكن على أحد التخريجَيْنِ – وهو تخريج شيخ الإسلام ابن تيمية – يكون من باب: «قَدَرُ اللَّهِ، وَمَا شَاءَ فَعَلَ».
ما هو هذا الذي
أردت؟
ويستفاد من هذا الحديث: أن للشيطان تأثيرًا
على بني آدم؛ لقوله: «فَإِنْ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ
الشَّيْطَانِ»، ولا شك أن له تأثيرًا على بني آدم، حتى إن الرسول صلى الله
عليه وسلم يقول: «إِنَّه يَجْرِي مِنَ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى
الدَّمِ» ،
شوف كيف؟ «يَجْرِي مَجْرَى الدَّمِ» يعني: مجاري الدم
الآن الشيطان يدخُل فيها، وإن كان بعض العلماء قال: إن هذا من باب الوساوس، يعني:
يلقي الوساوس في قلب الإنسان، وتجري هذه الوساوس في عروقه. ولكن ظاهر الحديث أن
الشيطان نفسه يجري من ابن آدم مجرى الدم، وهذا ليس ببعيد على قدرة الله عز وجل،
الروح تجري منك مجرى الدم وهي جسم، والدليل على أنها جسم أنها إذا قبضت تُكَفَّن
وتُحنَّط ويُصعَد بها وتُقبَض وتُتوفَّى.
فالحاصل أن الشيطان له تأثير على قلب
ابن آدم، لكن من نعمة الله أن هذه القوة لها ما يضادها؛ وهي لَمَّةُ الملك، فإن
للشيطان في قلب ابن آدم لَمَّةً وللملك لَمَّةً ، والإنسان إذا
وُفِّقَ – نسأل الله لي ولكم التوفيق – يكون لَمَّةُ الملك تغلب على لَمَّةِ
الشيطان، فهما يتصارعان دائمًا؛ نفس مطمئنة ونفس أمارة ونفس لوامة، أو لا؟
طلبة: إي نعم.
الشيخ: النفوس ثلاث:
أمارة بالسوء، ومطمئنة، ولوامة، أي اللوامة؟
طالب:
(...).
الشيخ: الأمارة بالسوء هي اللوامة؟
الطالب: لا، اللوامة.
الشيخ: أو
المطمئنة؟
الطالب: المطمئنة (...).
الشيخ: هذه وصف للنفسين جميعًا، اللوامة نفس الوصف للنفسين
جميعًا (...).
***
طالب: (النهي الصريح عن قول: لو إذا أصابك شيء).***
***
***
كنا تكلمنا على حسن الظن بالله ومتى يكون، وأنه إذا كان على غير أساس فهو أمانٍ وليس حقيقة، والتمني كما يقول العوام: (رأس مال المفاليس)، اللي بيتمنى على الله الأماني ما ينتفع، كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ الْأَمَانِي» .***
(قال ابن القيم في الآية الأولى: فسر هذا الظن بأنَّ الله سبحانه وتعالى لا ينصر رسوله) وين الآية الأولى؟ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ، (فسر بأن الله لا ينصر رسوله، وأن أمره سيضمحل) يعني يزول (وفسر بأن ما أصابهم لم يكن بقدر الله وحكمته)، منين نأخذه؟ هذا التفسير من قولهم: لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا.